العيني

194

عمدة القاري

باعتقاده لما كرر المراجعة . وقال بعضهم : لا دلالة فيما ذكر على تعين الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب ، ومنه قوله تعالى : * ( فان علمتموهن مؤمنات ) * ( الممتحنة : 10 ) سلمنا ، لكن لا يلزم من إطلاق العلم أن لا تكون مقدماته ظنية ، فيكون نظرياً لا يقينياً . قلت : بل الذي ذكره يدل على تعين الفتح ، لأن قسم سعد وتأكيد كلامه بأن واللام وصوغه في صورة الإسمية ، ومراجعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وتكرار نسبة العلم إليه يدل على أنه كان جازماً باعتقاده ، وهذا لا يشك فيه ، وقوله : لكن لا يلزم من إطلاق العلم الخ ، لا يساعد هذا القائل ، لأن سعداً وقت الإخبار كان عالماً بالجزم ، لما ذكرنا من الدلائل عليه ، فكيف يكون نظرياً لا يقينيا في ذلك الوقت ؟ . قوله : ( فقال ) ، اي النبي صلى الله عليه وسلم ، ( أو مسلماً ) قال القاضي : هو بسكون الواو على أنها : أو ، التي للتقسيم والتنويع ، أو للشك والتشريك ، ومن فتحها أخطأ وأحال المعنى ، ويقال : امره أن يقولهما معاً لأنه أحوط ، لأن قوله : أو مسلما ، لا يقطع بايمانه . وروى ابن أبي شيبة ، عن زيد بن حبان ، عن علي بن مسعدة الباهلي ؛ ثنا قتادة ، عن انس يرفعه : ( الاسلام علانية والايمان في القلب ثم يشير بيده إلى صدره التقوى ههنا ، التقوى ههنا ) ويرد هذا ما رواه ابن الأعرابي في ( معجمه ) في هذا الحديث ، فقال : ( لا تقل : مؤمن قل : مسلم ) . والذي رواه ابن أبي شيبة : قال ابن عدي : هو غير محفوظ ، وقال الكرماني : معناه أن لفظة الإسلام أولى أن يقولها لأنها معلومة بحكم الظاهر ، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلاَّ الله تعالى ، وقال صاحب ( التحرير ) في ( شرح صحيح مسلم ) : هذا حكم على فلان بأنه غير مؤمن . وقال النووي : ليس فيه إنكار كونه مؤمناً ، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان لعدم موجب القطع ، وقد غلط من توهم كونه حكماً بعدم الإيمان ، بل في الحديث إشارة إلى إيمانه ، وهو قوله : ( لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه ) . وقال الكرماني : فعلى هذا التقدير لا يكون الحديث دالاً على ما عقد له الباب ، وأيضاً لا يكون لرد الرسول ، عليه السلام ، على سعد فائدة ، ولئن سلمنا أن فيه إشارة إليه فذلك حصل بعد تكرار سعد إخباره بإيمانه ، وجاز أن ينكر أولاً ثم يسلم آخراً ، لحصول أمر يفيد العلم به . وقال بعضهم : وهو تعقب مردود ، ولم يبين وجهه ، ثم قال : وقد بينا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قبل . قلت : قد بينا نحن أيضا هناك أن الذي ذكره ليس بوجه صحيح ، فليعد إليه هناك . قوله : ( قليلا ) نصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي : سكوتاً قليلاً . قوله : ( ما أعلم ) كلمة ما ، موصولة في محل الرفع على أنه فاعل : غلبني ، قوله : ( غيره أحب إلي منه ) : جملة اسمية وقعت حالاً ، وهكذا هو عند أكثر الرواة . وفي رواية الكشميهني : ( أعجب إلي ) ، ووقع في رواية الإسماعيلي بعد قوله : ( أحب إلي منه ، وما أعطيه إلاَّ مخافة أن يكبه الله ) . إلى آخره قوله : ( خشية ) ، نصب على أنه مفعول له لأعطي ، أي : لأجل خشية أن يكبه الله ، بإضافة خشية إلى ما بعده ، وأن ، مصدرية . والتقدير : لأجل خشية كب الله إياه في النار . وقال الكرماني : سواء فيه رواية التنوين مع تنكيره ، وتقديره : لأجل خشية من أن يكبه الله . ورواية الإضافة مع تعريفة لأنه مضاف إلى أن مع الفعل ، وأن مع الفعل معرفة ، ويجوز في المفعول لأجله التعريف والتنكير . قلت : لا حاجة فيه إلى تقدير : من ، لعدم الداعي إلى تقديرها ، بل لفظة : خشية ، مضاف إلى ما بعدها على التقدير الذي ذكرناه ، فافهم . بيان المعاني والبيان : فيه حذف المفعول الثاني من باب : أعطيت في الموضعين الأول : في قولهِ أعطى رهطاً ، والثاني : في قوله : إني لأعطي الرجل ، تنبيها على التعميم بأي شيء كان ، أو جعل المتعدي إلى اثنين كالمتعدي إلى واحد ، والمعنى إيجاد هذه الحقيقة ، يعني ايجاد الإعطاء . والفائدة فيهما قصد المبالغة ، وفيه من باب الالتفات ، وهو في قوله : ( أعجبهم إلي ) لأن السياق كان يقتضي أن يقال : أعجبهم إليه لأنه قال : وسعد جالس ، ولم يقل : وأنا جالس ، وهو التفات من الغيبة إلى التكلم . وأما قوله : ( وسعد جالس ) ففيه وجهان . الأول : أن يكون فيه التفات على قول صاحب ( المفتاح ) من التكلم الذي هو مقتضى المقام إلى الغيبة ، واما على قول غيره ، فليس فيه التفات لأنهم شرطوا أن يكون الانتقال من التكلم والخطاب والغيبة محققاً . وصاحب ( المفتاح ) لم يشترط ذلك ، بل قال : الانتقال أعم أن يكون محققاً أو مقدراً . والوجه الثاني : ان يكون هذا من باب التجريد ، وهو ان يجرد من نفسه شخصاً ويخبر عنه ، وذلك أن القياس في قوله : ( وسعد جالس ) أن يقول : وأنا جالس ، ولكنه جرد من نفسه ذلك وأخبر عنه بقوله : ( جالس ) وهو من محسنات الكلام من الضروب المعنوية الراجعة إلى وظيفة البلاغة ، وفيه من باب الكناية : وهو في قوله : ( خشية ان يكبه الله ) ، لأن الكب في النار لازم الكفر ، فأطلق اللازم وأراد الملزوم ، وهو كناية ،